ابن كثير

28

البداية والنهاية

الدواب . قال ابن الجوزي : وقد قيل إنه كان في برده كل بردة رطلان وأكثر ، وفي واسط بلغت البردة أرطالا ، وفي بغداد بلغت قدر البيض . وفي ربيع الآخر سألت الاسفهلارية الغلمان الخليفة أن يعزل عنهم أبا كاليجار ، لتهاونه بأمرهم ، وفساده وفساد الأمور في أيامه ، ويولي عليهم جلال الدولة ، الذي كانوا قد عزلوه عنهم ، فماطلهم الخليفة في ذلك وكتب إلى أبي كاليجار أن يتدارك أمره ، وأن يسرع الأوبة إلى بغداد ، قبل أن يفوت الامر . وألح أولئك على الخليفة في تولية جلال الدولة ، وأقاموا له الخطبة ببغداد ، وتفاقم الحال ، وفسد النظام . وفيها ورد كتاب من محمود بن سبكتكين يذكر أنه دخل بلاد الهند أيضا ، وأنه كسر الصنم الأعظم الذي لهم المسمى بسومنات ، وقد كانوا يفدون إليه من كل فج عميق ، كما يفد الناس إلى الكعبة البيت الحرام وأعظم ، وينفقون عنده النفقات والأموال الكثيرة ، التي لا توصف ولا تعد ، وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية ، ومدينة مشهورة ، وقد امتلأت خزائنه أموالا ، وعنده ألف رجل يخدمونه ، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه ، وثلاثمائة رجل يغنون ويرقصون على بابه ، لما يضرب على بابه الطبول والبوقات ، وكان عنده من المجاورين ألوف يأكلون من أوقافه ، وقد كان البعيد من الهنود يتمنى لو بلغ هذا الصنم ، وكان يعوقه طول المفاوز وكثرة الموانع والآفات ، ثم استخار الله السلطان محمود لما بلغه خبر هذا الصنم وعباده ، وكثرة الهنود في طريقه ، والمفاوز المهلكة ، والأرض الخطرة ، في تجشم ذلك في جيشه ، وأن يقطع تلك الأهوال إليه ، فندب جيشه لذلك فانتدب معه ثلاثون ألفا من المقاتلة ، ممن أختارهم لذلك ، سوى المتطوعة ، فسلمهم الله حتى انتهوا إلى بلد هذا الوثن ، ونزلوا بساحة عباده ، فإذا هو بمكان بقدر المدينة العظيمة ، قال : فما كان بأسرع من أن ملكناه وقتلنا من أهله خمسين ألفا وقلعنا هذا الوثن وأوقدنا تحته النار . وقد ذكر غير واحد أن الهنود بذلوا للسلطان محمود أموالا جزيلة ليترك لهم هذا الصنم الأعظم ، فأشار من أشار من الامراء على السلطان محمود بأخذ الأموال وإبقاء هذا الصنم لهم ، فقال : حتى أستخير الله عز وجل ، فلما أصبح قال : إني فكرت في الامر الذي ذكر فرأيت أنه إذا نوديت يوم القيامة أين محمود الذي كسر الصنم ؟ أحب إلى من أن يقال الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا ، ثم عزم فكسره رحمه الله ، فوجد عليه وفيه من الجواهر واللآلئ والذهب والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه له بأضعاف مضاعفة ، ونرجو من الله له في الآخرة الثواب الجزيل الذي مثقال دانق منه خير من الدنيا وما فيها ، مع ما حصل له من الثناء الجميل الدنيوي ، فرحمه الله وأكرم مثواه . وفي يوم السبت ثالث رمضان دخل جلال الدولة إلى بغداد فتلقاه الخليفة في دجلة في طيارة ، ومعه الأكابر والامراء ، فلما واجه جلال الدولة الخليفة قبل الأرض دفعات ، ثم سار إلى دار الملك ، وعاد الخليفة إلى داره ، وأمر جلال الدولة أن يضرب له الطبل في أوقات الصلوات الثلاث ، كما كان الامر في زمن عضد الدولة ، وصمصامها وشرفها وبهائها ، وكان الخليفة يضرب له الطبل في أوقات الخمس ، فأراد جلال الدولة ذلك فقيل له يحمل هذه المساواة خليفة في ذلك ، ثم صمم على ذلك في أوقات الخمس . قال ابن الجوزي : وفيها وقع برد شديد